فوزي آل سيف

311

من قضايا النهضة الحسينية : أسئلة وحوارات

أيضاً بالرؤيا والمنام، فزعم بعض هؤلاء أن علماء مذهبهم([307]) قد رأوا الله ذاته (سبحانه وتنزه!!) في المنام وحادثوه وشكوا إليه همومهم!! وأن بعضهم يرى في اللوح المحفوظ ما يستعصي عليه من المسائل! ج- الإسلام هو دين اليقظة والدعوة إلى الحياة، أتراه يقيم أسس قواعده على المنامات، ويترك البراهين العقلية والأدلة النقلية لكي يعتمد على الرؤى؟ على أنك حين تخضع الكثير من هذه المنامات والرؤى ومضامينها للنقد والمناقشة تراها غير قائمة على أساس ركين. بالطبع هذا لا يعني أننا ننكر أن بعض المنامات والرؤى الحاصلة فيها صادقة وقد تحدث القرآن الكريم في أكثر من موضع عنها كما في رؤيا نبي الله إبراهيم عليه السلام {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}([308]). وكذلك رؤيا نبي الله يوسف عليه السلام {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}([309]). ومثل ذلك ما أرى الله سبحانه وتعالى نبيه الأكرم محمدا صلى الله عليه وآله وأخبر عنه القرآن بقوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}([310]). وفي قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}([311]). بل حتى رؤى بعض العلماء والصالحين، فلا يمكن رد كل هذه القضايا وإلا كان أشبه بإنكار ما عليه الوجدان. ولكن الكلام في سعة هذه الدائرة حتى اختلط فيها الصحيح بالسقيم. والكلام.. في أن تخرج هذه الرؤى من كونها في جانب وعظي أخلاقي قد لا نحتاج فيه إلى كثير من التحقيق والتدقيق لابتنائه على التسامح، إلى أن تصبح أدلة في أصول العقائد، وفي بيان المعارف الدينية. إننا في نفس الوقت الذي نعتقد فيه بوجود هذا النوع من الرؤى الصادقة([312]) إلا أننا نخالف أن تأخذ الأحلام كل هذا الدور فتصبح أصلا تؤسس عليه العقائد والثقافة والفكر، وتحتل هذه المساحة الكبيرة في التوجيه.

--> 307 ) في كتاب (أضواء على الصحيحين) للشيخ محمد صادق النجمي، ص 146، نقل عن عدد من الكتب، ما قاله الحافظ ابن العربي المالكي (ت 543 هـ) عند شرحه حديثاً وقد كان الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني شيخ العلماء والزهاد رأى الباري في المنام، فقال له: رب أسألك التوبة ثلاثين سنة أو أربعين سنة ولم تستجب لي بعد! فقال له: يا أبا إسحاق، إنك سألت في عظيم، إنما سألت حبنا. ونقل الشعراني وابن الجوزي والشبلنجي عن أحمد بن حنبل أنه قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب، ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؟ فقال: بكلامي يا أحمد، فقلت: بفهم أو بغير فهم؟ قال: بفهم وبغير فهم، وقال الآلوسي (1270هـ) صاحب (تفسير روح المعاني) فأنا ولله تعالى الحمد قد رأيت ربي مناما ثلاث مرات، وكانت المرة الثالثة في السنة 1246بعد الهجرة، رأيته جل شأنه وله من النور ماله، متوجها جهة المشرق فكلمني بكلمات أنسيتها حتى استيقظت!! 308 ) سورة الصافات آية 102. 309 ) سورة يوسف آية 4. 310 ) سورة الأنفال آية 43. 311 ) سورة الفتح آية 27. 312 ) في صحيحة سعد بن أبي خلف عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "الرؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن وتحذير من الشيطان وأضغاث أحلام".